العودة للخلف

الاستبشار بقدوم شهر الخير

تاريخ النشر: 19 / 02 / 2026
: 33

الاستبشار بقدوم شهر الخير

الحمدُ لله مُولي النِّعم والهبات، ومُعطي الآلاء والبركات، ومُعيد الأيام والليالي والشهور والسَّنوات، خلقَ الخلْق بعِلْمه، وفضَّل بينهم بحِكمته.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله .

أما بعد:

فقد أظلنا شهرُ الصبر والإنابة، وشهر التوبة والرحمة، وشهر العفو والمغفرة، وشهر الصيام والقيام.

موسمٌ عظيم، تعظُم فيه الأجور، وتتضاعف فيه الحسنات، وتُغفر فيه الزلات، وتُمحى فيه السيئات، وتتنزّلُ فيه البركات، وتُجزل فيه العطيَّات، وتتوالى فيه المواهب، وتُفتح أبواب الخير، وتُغلق أبواب الشر، وترقُّ فيه القلوب، وتزكو فيه النفوس.

وقد أقسم الله تعالى في كتابه بالشمس وضحاها، وبالقمر إذا تلاها وبالنهار إذا جلاها وبالليل إذا يغشاها وبالسماء وما بناها وبالأرض وما طحاها: أنَّ فلاحَ النفوس وسعادَتَها: حليفُ مَن زكَّاها، وأنَّ خيبةَ النفوس وندامَتَها: لازمةٌ لمَن دسَّاها.

وشهر رمضان فرصةٌ عظيمة لتزكية النفوس وإصلاحها، وتهذيب الأخلاق من أخلاطها، والسُّمو بالأقوال والأفعال عن سَفاسِفها، وتطهير النية عن شوائبها.

وهو مناسبةٌ شريفةٌ لتثقيفِ اللسان، وإصلاح الجوارح والأركان. ومِنحَةٌ جسيمة للنُّصح في التوبة، والصِّدق في الإنابة.

وهو غنيمة جليلة في القرب مِن ينبوع الهداية، ومَعين النجاة، ومصدر الحياة الطيبة، ومعدن الطمأنينة والأمن والسكينة.

قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

فهذا شهرُ القرآن والفرقان، وشهرُ الهدايات والبيِّنات، وشهر المِنَح والهبات.

ولهذا لم يَزل المسلمون يستقبلونَ شهرَ رمضان بفائق العِناية، ويُولونه أشدَّ الاهتمام، ويَستعدُّون له فرحًا بقدومه، واستبشارًا بفضله.

وذلك لِمَا يعلمُ المسلمون مِن فضائله الجليلة، ومكانته الرفيعة، وسَعةِ فضل اللهِ عليهم فيه، وما يُنزِّله على عباده مِن الرَّحمات، ويُفيضه عليهم من النفحَات، ويوسِّع عليهم من الأرزاق والخيرات، ويُجنِّبهم فيه من الزلات. حيث يفتح لهم أبواب الجِنَان، ويغلق عنهم أبواب النيران، ويُصفّد فيه مردة الجانّ.

فهو للأمةِ ربيعُها، وللعبادات موسمُها، وللخيرات سوقُها. فلا شهر أفضل للمؤمنين منه، فهو بحق مغنمٌ للمسلمين، ومكسب للمؤمنين.

وفي المسند وجامع الترمذي عن طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه قال: «كان رسول الله إذا رأى الهلال قال: اللهم أهلَّه علينا باليُمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله»([1]).

قال الإمام ابن باز رحمه الله ما مُلخّصه: إنه يشرع أن يَستقبلَه المسلمُ بالفرح والسرور والاغتباط وشُكْر الله أنْ بلَّغه رمضان، ووفَّقه فجعلهُ من الأحياء الذين يتنافسون في صالح الأعمال، فإنَّ بلوغَ رمضان نعمةٌ عظيمة من الله تعالى، ولهذا كان النبيُّ يُبشِّر أصحابَه بقدوم رمضان مبينًا فضائله وما أعد الله فيه للصائمين والقائمين من الثواب العظيم، ويُشرع للمسلم استقبال هذا الشهر الكريم بالتوبة النصوح والاستعداد لصيامه وقيامه بنية صالحة وعزيمة صادقة»([2]).

وقوله رحمه الله تعالى: كان النبيُّ يُبشِّر أصحابَه بقدوم رمضان.

يُشير إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -يُبشِّرُ أصحابَه- «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ»([3]).

والمسلم لا يزال في شهر رمضان من فرحة إلى فرحة، ومن سُرور إلى سرور:

- فهو يفرَح بقدومه كما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ولاشك في عظيم فضْل الله ورحمته على عباده في هذا الشهر.

- ويفرَح عند فطره كل يوم، طبعًا وشرعًا وذلك أنه لما مُنع نهارًا مما جُبِل على محبته والميل إليه من المطعم والمشرب ونحوهما فيفرح بإباحته له ليلًا -طبعًا- ولاسيما مع شدّةِ الحاجة إليه، ولكونه ممَّا شرعه الله تيسيرًا على عباده فإنه يفرحُ بتيسير الله تعالى فهو -من هذا الوجه- محبوب مفروح به شرعًا.

- وعند تمام الشهر، يفرحُ أيضًا بمَا منَّ اللهُ عليه مِن إكمال عِدّته، وإتمام عبادته ويرجُو القبولَ والمغفرةَ والعَفْو والعِتْقَ والخَلَاص.

- ويفرَح عند لقاءِ ربِّه بما يجدُه عند الله مِن ثواب الصِّيام والقيام مُدَّخرًا له فيجده أحوج ما يكون إليه كما قال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20] وقال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [آل عمران: 30].

وإنَّ مِن أعظم ما يملأ المؤمن عزمًا على استغلال شهر رمضان معرفتُه لفضائله وهو ما سنتحدث عنه تفصيلًا إن شاء الله في درس مما يأتي.

وفي مسند الإمام أحمد وغيره: أنَّ رجلين من الصحابة رضي الله عنهم قُتل أحدهما مع النبي والآخر تأخّر عنه عامًا ومات على فراشه فرآه بعضُهم في منامه قد دخل الجنة قبل الأول!. فسُئل النبي عن ذلك فقال: «من أي ذلك تعجبون؟ أليس قد مكثَ بعده سنة، وأدرك رمضان وصلى كذا وكذا»([4]).

وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن حبان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صعد المنبر فقال: «آمين» قيل: يا رسول الله إنك حين صعدت المنبر قلت: آمين فقال: «إن جبريل أتاني فقال: مَن أدرك شهرَ رمضان ولم يُغفر له فدخَل النار فأبْعدهُ الله، قل: آمين؛ فقلت: آمين»([5]).

وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «رَغِم أنفُ رجلٍ دخَل عليه رمضان ثمَّ انسلخَ قبلَ أن يُغفر له».

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: «إنَّ لله عز وجل عند كل فطر عتقاء»([6]).

فمَا أعظم شوق المحبِّين لشهر المغفرة والعِتق من النار.

كان مكحول رحمه الله يقول: اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي لِرَمَضَانَ، وَسَلِّمْ رَمَضَانَ لِي، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي مُتَقَبَّلًا.

والحمد لله رب العالمين.



([1]) مسند أحمد 1397، والترمذي 3481، وانظر: الصحيحة 1816.

([2]) مجموع فتاواه 15/9 - 10.

([3]) أخرجه الإمام أحمد في المسند 8991 ، وبنحوه عن أنس عند ابن ماجه 1466، وصححه الألباني في تمام المنة 395 .

([4]) مسند أحمد 1389، وهو في الصحيحة 2591.

([5]) الأدب المفرد للبخاري 646 وابن حبان  409 ، ومع التعليقات 904 ، وهو في الجامع الصحيح 1686.

([6]) مسند أحمد  22202 ، وانظر: الجامع الصحيح 1461، التعليقات الحسان 3426.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح